ألوان ثقافية/المغرب
|
حالة ذهول |
|
رن جرس المنبه رنينا متواصلا مزعجا، أفاق رشيد المنيلي على الصوت الملحاح، تمنى لو ألقى به من النافذة وتخلص منه إلى الأبد، تمطى في فراشه وتثاءب بصوت مسموع، فتح عينيه عن آخرهما، ضغط على الزر فعم ضوء أبيض أرجاء غرفة النوم، نظر رشيد إلى ساعة المنبه التي كانت قد توقفت عن الرنين لتوها فوجد أن عقاربها تشير إلى السادسة واثنتي عشرة دقيقة صباحا، تأمل جيدا في الساعة وهو مضطجع على جنبه فوق الفراش، وفجأة أحس بأنه تأخر عن موعد عمله فهب واقفا دفعة واحدة، ولج من باب الحمام إلى داخله، فتح صنبور الماء الساخن ولكنه لم يتلقى إلا مياها باردة تجمد الأطراف، رفع عينيه إلى آلة تسخين المياه فوجد أنها تفتقد إلى الشعلة النارية، تأكد عندها من نفاذ الغاز من القنينة، فزمجر غاضبا: - تبا لقنينات الغاز هاته، لا تكفي حتى لتغطية عشرة أيام. وألقى باللائمة على شركات تعبئة الغاز التي أصبحت هذه الأيام تتنافس على ممارسة الغش من خلال النقص في عملية تعبئة القنينات. غسل وجهه بالماء البارد وهو يرقص من البرد، فكر في حلق ذقنه ثم تخلى سريعا عن الفكرة لأنه حتما سوف يصيب وجهه بخدوش وكدمات بسبب جفاف جلده وانعدام وجود الماء الساخن، قضى حاجته واستعمل الورق الصحي عوض الماء خوفا من البرد، ورجع مسرعا إلى غرفته حيث لبس ثيابه على عجل، خرج من الغرفة ونظر إلى باب الغرفة الأخرى حيث يرقد صديقه علي التوزاني الذي يتقاسم معه كراء البيت والذي لا يستيقظ من النوم إلا عند الساعة السابعة، فهو يشتغل في قطاع التعليم، مدرس ابتدائي في إحدى القرى القريبة من المدينة، يذهب للعمل صباحا ويعود في المساء، صفق الباب وراءه وخرج مسرعا إلى الشارع حيث استقبلته برودة شهر يناير القارسة جدا التي تؤدي إلى تشقق جلد الوجه واليدين، ورغم أن رشيد قد تعود على الخروج كل يوم في هذه الساعة المبكرة فإنه في كل مرة كان يحس بقسوة البرد وسطوته على جسمه الذي يرتعد باستمرار رغم الثياب الصوفية التي يتدثر بها فوق جسده. وصل إلى محطة سيارات الأجرة، توجه نحو إحداها كبيرة الحجم من نوع " مرسديس " تناول المفتاح وأدخله في فتحة الباب وأداره جهة اليمين، انفتح الباب فدخل رشيد وجلس وراء المقود، شغل المحرك وتركه دائرا وخرج من السيارة لتبادل الحديث مع زملائه من سائقي سيارات الأجرة الكبيرة، ورشيد أصبح من زمرة سائقي سيارات الأجرة يشتغل مع الحاج العربي الرحيمي أمين سائقي سيارات الأجرة بعد أن أعيته الحيلة في الحصول على وظيفة محترمة إثر حصوله على إجازة جامعية، ولذلك فقد فضل أن يشتغل سائقا لسيارة الأجرة على أن يظل عاطلا يتكفف أهله وأصحابه للحصول على مال يلبي به احتياجاته المتعددة، وقد أورثه هذا العمل عصبية ملحوظة حولته إلى إنسان عدواني سريع الانفعال، ولذلك كثيرا ما كنت تجده منغمسا في معركة كلامية مع بعض الزبناء والتي غالبا ما تتحول إلى معركة لتبادل الضرب واللطم حتى أصبح رشيد معروفا ومشهورا لدى مقرات ومخافر الشرطة من كثرة الشكايات التي قدمت ضده. لقد كان رشيد متوسط القامة، قوي البنية، عيناه عسليتان ورثهما عن أمه، حاجباه متلاصقان، أنفه رفيع تحته شفتان مكتنزتان وذقن كث، أما لحيته فهي دائما في حالة نمو ولا يقوم رشيد بحلقها إلا عندما تسبب له حكة جلدية متواصلة، ورغم عصبيته الزائدة فقد كان مرحا محبا للنكتة، ولذلك كان أصحاب سيارات الأجرة يحبون تبادل الحديث معه والاستفادة من تجربته التعليمية في شكل استشارات تتعلق بالحياة العامة لا يبخل بها رشيد على زملائه في المهنة، وكان هو قد تعود على جو سيارات الأجرة وسائقيها، ونسي جو المباريات والامتحانات والوظائف منذ مدة، لقد سلم بالأمر الواقع واكتفى بحظه واقتنع بنصيبه، عدد كبير جدا من المباريات شارك فيها منذ سنتين على أمل الحصول على وظيفة تحقق له الكرامة وتسند رغبته في حياة طبيعية كغيره من الطلبة الحاصلين على شواهد جامعية، ولكنه لم يفلح أبدا في النجاح في أية مباراة تقدم لها، وهو لا يزال يتذكر الحالة المأساوية لصديقه أحمد الذي حصل معه على الشهادة الجامعية وكان يسكن في أحد المداشر القريبة من المدينة ووجد في أحد الأيام مشنوقا متدليا جسده تحت شجرة قرب بيت أهله حيث لم يتحمل مرارة البطالة لأنه كان أمل أهله في الحصول على وظيفة محترمة تقيه وأمه وأباه وأخواته الأربع شبح الفقر والفاقة بالإضافة إلى انهيار أحلامه في الزواج من محبوبته التي كانت تشاركه مقاعد الدراسة الجامعية والتي انتظرته طويلا ثم اضطرت أمام ضغط أهلها للزواج من شاب ميسور الحال يشتغل بدول المهجر ويتوفر على سيارة ودخل قار، لم ينس رشيد ذكرى صديقه أبدا ومنذ ذلك التاريخ اقتنع بأن بلاده مبنية فقط على المحسوبية ولا شيئ غيرها، بحيث لا يمكن الحصول على أي حق أو امتياز دون رشوة أو محسوبية، سلم رشيد بالأمر واتجه إلى سيارة الأجرة عوض أن يظل دائما في حالة بطالة تسمم بدنه وتسبب له كثيرا من المشاكل والصراعات خصوصا مع أبيه الذي لم يكن يفهم وضعه جيدا، وكان كثيرا ما يهينه، ويسمعه كلاما نابيا يجرحه كثيرا، ويسبب له أذى كبيرا، ويظل مستقرا في عمق نفسيته المجروحة حارما إياه من النوم لفترات طويلة، ولذلك فكر في ترك بيت والديه واتجه إلى مشاركة صديقه علي التوزاني في إيجار البيت الذي يقع في قلب حي شعبي مغرق في السفالة والانحطاط الأخلاقي، ولكن ما العمل وإيجار البيوت أصبح في نقط أخرى من المدينة لا يطاق، وما يجنيه كلاهما يكفي فقط لتلبية رغبات الحياة الأساسية ولا يبقى من الدخل المالي إلا بقية بسيطة يلجأ كلاهما إلى الحفاظ عليها عن طريق إيداعها في دفتر بنكي للتوفير تحسبا لطوارئ الحياة الكثيرة التي لا تنتهي. في هذا الصباح البارد كان الدور الأول على رشيد لكي يحمل المسافرين في سيارته المرسديس وينطلق بهم من مدينته البحرية إلى المدينة المجاورة، كانت المسافة الرابطة بين المدينتين تصل إلى سبعين كيلومترا، بدأت قطرات المطر في التساقط تدريجيا، ثم أصبحت القطرات متلاحقة وغزيرة، أقبل بعض المسافرين مسرعين وهبوا اتقاء من الأمطار إلى دخول سيارة الأجرة في انتظار اكتمال باقي المسافرين، في الحقيقة لم يبق إلا مسافر واحد ويكتمل النصاب، سيارة الأجرة تحمل ستة أشخاص بالإضافة إلى السائق، اثنان في المقدمة، وأربعة يحشرون قسرا متلاصقين ومتراصين في المقاعد الخلفية، ظل الجميع ينتظر الشخص السادس، وبعد مرور ما يقرب من سبع عشرة دقيقة أقبل المسافر المنتظر، فهلل الجميع فرحا بقرب انطلاقهم، كان الشخص المنتظر يحمل في يده مظلة مبللة تقطر منها مياه الأمطار وأسرع بدوره لفتح باب السيارة ولكن رشيد بادره بسرعة قائلا: - أغلق المظلة، وهاتها لكي نضعها في صندوق السيارة. لم يتقبل ذلك الشخص لهجة رشيد الحادة في الكلام، فدخل معه في مشادة لفظية عنيفة كادت تتطور إلى عراك بالأيدي لولا تدخل باقي السائقين الذين قاموا بتلطيف الأجواء قليلا بين الرجلين، استخلص رشيد ثمن الرحلة من الركاب، وبدأ يلعن ظروف العمل والنحس الذي ابتدأ طالعه منذ الصباح الباكر، وتنبأ بمرور يوم عصيب، أثناء الطريق تجدد السباب والشجار بينه وبين صاحب المظلة، ورغم تدخل باقي الركاب فقد احتد رشيد كثيرا وشرع في الالتفات لمواجهة خصمه، وفجأة قفز كلب وسط الطريق فتفاداه رشيد بصعوبة بالغة، انحرفت السيارة عن مجراها العادي وكادت ترتطم بأحد الحواجز الحديدية لولا سرعة البديهة والحركة التي جعلت السائق يدوس بسرعة وبقوة على الفرامل، اهتز الركاب بشدة وتوقفت السيارة محافظة على توازنها المنشود، عاود رشيد مرة أخرى توجيه اللوم والتقريع لصاحب المظلة " وجه النحس " الذي كاد يتسبب لهم في كارثة، وبعد هدوء نسبي تابعوا طريقهم ولكن بسرعة كبيرة دلت على عصبية وغضب رشيد من الموقف الخطير الذي كاد يصل به وبالركاب إلى ما لا يحمد عقباه. بعد مرور ربع ساعة تقريبا على حادثة الكلب ازدادت وتيرة سقوط الأمطار وفجأة وبعد منعطف حاد وجد رشيد نفسه وجها لوجه أمام شاحنة كبيرة تتجاوز عربة مجرورة، كان شبح الارتطام بينهما باديا للعيان، ولكن مرة أخرى استطاع السائق بصعوبة ومهارة تفادي الشاحنة بعد خروجه من الطريق ودخوله إلى حقل زراعي، ساد صمت مطبق قطعه رشيد بفتح باب السيارة، نزل داخل الحقل وتأكد من سلامة السيارة ولكنه وجد أن العجلة اليمنى الخلفية علقت في الطين والوحل، فعمد إلى رص بعض الحجارة تحتها وبعد جهد جهيد وبمساعدة من الركاب الذين علقوا هم بدورهم في طين الحقل استطاع رشيد أن يخرج السيارة إلى الطريق المعبدة، انطلقوا من جديد نحو وجهتهم وهم يحبسون أنفاسهم تحسبا لوقوع مفاجأة أو مصيبة جديدة. اقتربوا من وجهتهم كثيرا خصوصا لما لمحوا علامة تحديد السرعة في الأربعين، فاستبشروا خيرا، وأحسوا بنوع من الفرح والحبور يغمر نفوسهم، وعند مدخل المدينة قرب بستان كثيف من أشجار الفواكه كانت إحدى الحافلات متوقفة بجانب الطريق تحجب الرؤية الواضحة عن رشيد تفرغ حمولتها من البشر وتحمل في نفس الوقت غيرهم ممن يريدون دخول المدينة، بادر رشيد إلى تجاوزها بسرعة معقولة وفجأة وجد نفسه وجه لوجه أمام سيدة بدوية نزلت من الحافلة ومرت من مقدمتها مسرعة دون أن تتأكد من خلو المكان من السيارات تريد اجتياز الطريق، لم يستطع رشيد هذه المرة السيطرة على سيارته وخانته دواسة الفرامل لأنه كان قريبا جدا من المرأة فاصطدم بها اصطداما سمع له دوي من الداخل، طارت المسكينة في الهواء دائرة مرتين في الفضاء ثم هوت منهدة جالسة فوق الإسفلت حيث سمع لسقطتها صوت ملفت للانتباه، أصابها الذهول لوهلة قصيرة بسبب الصدمة ثم سقطت على جنبها ممددة وهي تتوجع وتصرخ ممسكة بفخذها الأيسر، توقفت سيارة الأجرة وظل رشيد يحملق في المرأة وهي في الهواء ثم وهي تسقط، وجم قليلا وقد اتكأ على المقود ثم فجأة شرع يضحك بطريقة هستيرية بصوت مرتفع، تأمله الركاب بتركيز واهتمام شديدين ثم انخرطوا هم بدورهم في ضحك غير طبيعي كان نتيجة الضغط الكبير الذي عانوا من آثاره طيلة الطريق بين المدينتين. تلقى رجل الأمن داخل مخفر الشرطة مكالمة هاتفية تطلب منه إرسال دورية لشرطة المرور بسبب وقوع حادثة سير مفجعة فيها قتلى وجرحى، أجاب رجل الأمن بالإيجاب وأسرع لإعلام الضابط المسؤول بخبر الحادثة، قبل أن يخرج من باب المكتب رن جرس الهاتف من جديد، عاد رجل الأمن وحمل السماعة، تلقى مكالمة هاتفية من رشيد يخبره بوقوع حادثة سير، عمد رجل الأمن إلى مقاطعة المتحدث وأخبره أنهم على علم بالحادثة وأن دورية رجال المرور سوف تصل سريعا، ثم تدارك الموقف قبل أن يضع السماعة وسأله عن مكان وقوع الحادثة، أخبره رشيد أنها وقعت عند مدخل المدينة وبالضبط عند علامة تحديد السرعة في أربعين، أقفل رشيد الخط وعاد إلى حيث احتشد الركاب مع باقي الناس الذين اجتمعوا لمواساة البدوية المسكينة التي تتألم بشدة، والتي ظلت ملقاة فوق الإسفلت البارد دون غطاء يقيها البرد وقطرات المطر. بعد اثنتين وعشرين دقيقة بالضبط وصل رجال شرطة المرور، نزلوا من السيارة يتقدمهم ضابطان والباقي خمسة من رجال أمن، طلبوا من الحشد أن يفسح الطريق، سألوا عن باقي الضحايا وعن القتلى، لم يدر رشيد بما يجيبهم، انبرت امرأة من بين الركاب فأخبرت رجال الشرطة بأن الحادث اقتصر فقط على ضحية واحدة هي المرأة الملقاة على الأرض أمامهم والتي ربما تعاني من كسر في فخذها الأيسر، بسرعة بديهة أدرك أحد الضباط بأن هناك سوء تفاهم وقع في تلقي خبر الحادثة المقصودة والتي بالتأكيد ليست هذه التي يقفون على مسرحها، عمد أحد الضباط إلى تنظيم العمل للالتحاق بالحادثة المفجعة مع عدم إهمال المرأة التي هي أمامه، في تلك اللحظة كان ولدان شقيان يلهوان تحت الأشجار عبر محاولة إثارة قفير نحل يتخذ مقرا له إحدى الجذوع الكبيرة، أخيرا أفلحا في إثارة النحل حيث خرجت جحافله غاضبة حانقة لا تلوي على شيئ وتهجم على كل من تصادفه أمامها، فوجئ حشد الحادثة بهجوم النحل فركض رشيد والركاب ورجال الشرطة والناس المتواجدين بالمكان في كل اتجاه خوفا من بطش النحل تاركين المرأة لمصيرها المشؤوم، والحادثتان على كف عفريت. كاتب وناقد من المغرب |
