مختارات فنية

9.jpg

* سلسلة عين على القصة / عائشة بورجيلة

ألوان ثقافية/المغرب

سلسلة عين على القصة/الحلقة3
عائشة بورجيلة
إعداد وتقديم: شكيب أريج

 نحرص في هذا الباب أن نقدم للقارئ مختارات من القصة، يحدونا الأمل في تقريب القصة وكاتبها من القارئ من خلال دردشة قصيرة. عين على القصة بمثابة الزووم الذي يقربنا من الكاتب وكواليس الكتابة، لنطلع عن قرب ومن داخل مطبخ الإبداع على أمزجة الكتاب وخيالاتهم ورؤاهم ولنورط أكبر قدر من الكتاب في لعبة التلقي. حيث يجلس بالقرب منا ويفتح ذائقته القصصية على مصراعيها.

قصة: 

عود الحملة 

تعض الأنامل من الغيض. منذ ساعتين، تفرك عينيها، تطرطق أصابعها.. تجيل بصرها بالفناء، في خفة، تراقب الذين يراقبونها على مهل.. بين الفين والفين تسمع وشوشة لا تميز منها إلا صفتها اللاصقة: "المعلمة". بين الفين والفين أيضا، يخترق شرودها الصوت ذاته:

مرحبا بكم آلعيالات… العروسة قريب تجي…

ترتعش خوفا أوحرجا كطفل صغير كلما أقبل وجه نسوي جديد، وأطال الوقوف على ملامح وجهها وخوفها.

- شبيهتي في الاحتراق مليكة مستظرف تحدثت عن إمكانية اختراع مصل واق من الحب. ماذا لو اخترعوا مصلا يذيب أوقاتا كهذه...؟!

على أي، هي هنا مجرد غريبة. ليست مضطرة لأن تسائل كل واحدة عن الأهل والأحباب.. ويكفيها أن ترد التحية وأن تتأمل..

يا له من صمت! ويا لها من وحدة! ويا له من موقف!

الفناء يوشك على الامتلاء.. الوجوه ذاتها، والملابس ذاتها، والصوت ذاته:

مرحبا بكم.. إيوا ديرو الفال للعروسة!

يتبادلن النظرات والدعوات.. يصنع البعض منهن شبه دائرة، تنادي كل صاحبة صاحبتها، تفتح إحداهن الحقيبة، تخرج الطبول الصغيرة والكبيرة.. يشرعن في التسخين في حين تتطاير أصواتهن في الفضاء:

...واصلوا على النبي...آنتما يا الدايرين...

يمتزج بعدها صوت الطبول بأصواتهن لتنشأ الطقوس مكتملة، ولتكون إمكانية الرقص واردة..

تخف شدة المراقبة نسبيا عليها. جل الحاضرات الآن مستعدات لولوج الدائرة وتقديم الواجب (الولوج ضروري ومؤكد في حال سماع اسمك)

أسرة العروس لها الأولوية:

مزين البنت إلى كانت محضية... تسوا بيت المال..

هل كانت حقا (محضية).. !؟

إحداهن – تجاوزت الخمسين على ما يبدو- أزاحت "الإزار"، رمته جانبا قبل أن تشرع في استعراض جسدها الممتلئ.. تتعالى الهتافات والزغاريد والصيحات:

هادي هي المرا..إلى ضوات الكمرا..

وهي تقفز في انتشاء وفرح غامر.. (هوارية قحة)..

ماذا وراء "الإزار" يا ابنة "الهوارة"؟ كرم؟ أم طيبة إلى درجة السذاجة؟ أم حكاية خيانة من عالم الخيال؟!

وجه قريب بدا يتأملها في جرأة تصل إلى درجة الوقاحة..

تنظر في حنق..ترد التحية..تجيب باقتضاب:

المعلمة الجديدة.. جيت هذا العام..

تنتظر الجارة القريبة المزيد من التفاصيل..لا تجرؤ على إعادة الأسئلة ولكنها تستفهم بعينيها باستمرار..تبتسم.. وتنتظر حوارا ما..لا يهم مضمونه أو أسلوبه أو دواعيه.. المهم أن تتكلم.. والكلام مع من لا تعرف عنه سوى أنه فضولي جدا وأمي جدا، يستعصي..

تصوب عينيها نحو الدائرة لترى أثر الموضة على اللباس التقليدي...

فين دوك اللي كالوا حنا هنا يا للا..

 عود الحملة ما يدير الفاخر أللا..

- ربما هو دوري في ولوج الدائرة.. !

تبتسم أخيرا للجارة مودعة..تنفلت كالسهم من الفناء.. تاركة حرقة الفضول سابحة وسط أنغام الانتشاء والفرح الغامر وانتظار وصول العروس...

عائشة بورجيلة (عود الحملة) الكتاب 16 ضمن سلسلة مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب (ص13)

القصة لحظة بوح وجدانية

عائشة بورجيلة: لو حاولنا الفصل بين الخيال والواقع في القصة ،لتهنا في الحكاية..

قصتي حالة وجدانية  لحظية تكتفي بذاتها

1-  "عود الحملة" هو عنوان مجموعتك القصصية الأولى، وهو عنوان هذه القصة أيضا، ما هي مبررات اختيارك لهذا العنوان بالذات؟

    ج1 - عود الحملة عنوان يشبهني إلى حد ما، ربما المجموعة عود ،مقدمة لما قد يأتي ،ربما أيضا ،كانت  المرأة في وطني  عودا ،تسوقه الحملات،إلى حيث يريد ولا يريد..

2-  تحتفي القصة منذ العنوان باللهجة الهوارية وتسجل أطوار طقس احتفالي، ألا تخشين أن تتحول القصة إلى وثيقة؟

    ج2- أعتبر القصة /الكتابة وثيقة بالفعل ،وثيقة بوح و شهادة صفاء،  اللهجة  جزء من هذا الصفاء،أما التاريخ ووثائق التاريخ، فأتركه للمؤرخين ..

3- القصة عندك مشهد من الذكريات، أهي فرصة لتثبيت اللحظة؟ أتعتمدين دائما على النبش في تجربتك الخاصة بحثا عن ذرائع لابتداع حكايات؟

   ج3-  دعني أكتفي  بهذه العبارة:هي فرصة /محاولة لتثبيت اللحظة..

القصة  ليست مشاهد من ذكريات،تمتح منها أحيانا ،أجل، لكنها- في الوقت نفسه- تنسج حكايتها الخاصة  واللذيذة ،الخيالية والواقعية..ولو حاولنا الفصل بين الخيال والواقع في القصة ،لتهنا في الحكاية..

4- الفضوليات الأميات ينظرن إلى المعلمة، هذه الأخيرة تحس بغربة المكان، -بغض النظر على أنها قصتك- ألا ترين أنها معالجة سطحية لواقع هذه العلاقة؟

ج4- قصتي لا تبتغي معالجة قضية معينة ..قصتي حالة وجدانية  لحظية تكتفي بذاتها ،وأحرص على تسجيلها في حينها،ولا يهمني شيء بعدها ،المهم أن أخرجها كما أحسها ..

وأعتقد أنني لو فكرت في موضوع القصة أولا ثم  إن كنت سأعالج مشكل كذا أو كذا،بدون  شرارة  تستفزني و تجبرني على الكتابة،لفكرت في مجال آخر غير القصة.. 

عائشة بورجيلة: من مواليد 1978 بأولاد تايمة . نشرت الكثير من نصوصها القصصية بمنابر رقمية وورقية. صدرت لها عن مجموعة البحث في القصة القصيرة ، مجموعة قصصية عنونتها بـ(عود الحملة)